حينما بكىٰ القلم لفقد الأستاذ
لقد فُجعنا بفقد أستاذنا الجليل، العالم البارع، والمربي الفاضل، الذي ترك بصمة طيبة في قلوب تلامذته، وسيرةً عطرةً في ميدان العلم والعمل. و هو الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي- رحمه الله رحمة واسعة - الذي انتقل إلى دار البقاء قبل أيام، مخلفًا وراءه إرثًا علميًا وذكريات لا تُنسى في دار العلوم التابعة لندوةالعلماء بمدينة لكناؤ ـ
كان فضيلة الأستاذ رمزًا من رموز العلم والتربية وعلمًا من أعلام دار العلوم ، وأحد أعمدتها الموقرة في كليةاللغةالعربية ـ
وُلِدَ رحمهُ الله في مدينةِ ”نورنك آباد“، بمديريةِ أتاوه، في ولايةِ أترابرادیش، في أُسرةٍ مثقّفة ثقافةً عَصريّةً ، نشأ بين أحضان العلم، ودرس في جامعة دار العلوم لندوة العلماء حيث تخرج منها عام ۱۹۸٦م، وبعزيمة واجتهاد أكمل تخصّصه في الحديث النبوي الشريف عام ١٩٨٨م، فتولّٰى منصب التدريس في نفس الجامعة، وكرَّسَ جَميعَ حياتِهِ على خدمتها، وبذلَ أقصىٰ جُهودِهِ في رُقيِّها وازدهارِها، وفي تربيةِ الطلّابِ وتعليمِهم، و ظلّ يَخدِمُ العلمَ والأدبَ حتى قضىٰ نحوَ ستٍّ وثلاثينَ سنةً في ميدانِ العلمِ والتربية ـ
كان شديدَ العنايةِ باللغةِ العربيّةِ، يُحبُّها حبًّا عظيمًا، ويُشجِّعُ الطلّابَ على إتقانها والتكلُّمِ بها. وبفضلِ الله و بفضل حِرصِهِ وصبرِهِ خرَّجَ أجيالًا من الطلّابِ الذينَ يحملونَ مِشعلَ اللغةِ والأدبِ۔
كان الدكتور نذير أحمد النّدوي مثالًا للخلق الرفيع والتواضع، رجلاً نقيّ النفس، دمِث الأخلاق ، سهل المخالقة، يحب العزلة، إنّ الله أودع في عريقته الدّموثة واللّين ، و في قريحته التّوازن والانسجام۔
كان ذا معرفة واسعة في معظم الفنون ولا سيّما في الأدب العربي، متقناً اللغة العربية والأردية ، مُجيداً في الإنجليزية والهندية،ومُلمّاً باللغة السنسكريتية أيضاً. و ذلك كله جعله مدرسا مثاليًّا، لحمته و سداه تربية و تعليم و درس ، كأنه لم يُخلق إلّا له، و لا يصلح إلّا به ـ
لقد تشرفتُ هذا العام بدراسة ”ديوان الحماسة“ على يديه، والله كان أسلوبه في التدريس مميزاً ذا طابعٍ خاص يجمع بين سهولة الفهم و روعة التعبير، فإذا بدأ في الشرح شعرتُ كأنّ ينابيع العلم والأدب تتدفق من بين كلماته تدفقاً طبيعياً، كان يشرح كلَّ لفظ بفصّه و نصّه ، ويكشف ما فيه من دقائق نحوية وصرفية بلاغية ، وإذا مرّ في الأبيات بلفظة وردت في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو في بيتٍ من الشعر العربي، يسوقها مثالا ودليلا . وذلك لنفهم العبارة فهما صحيحا وندركها ادراكا كاملا و كان يعلّمنا أيضاً كيفية إنشاء جملٍ جديدة بالتعبيرات الواردة في الكتاب، فيصوغ بنفسه أمثلة نافعة جيدة ، ويشرح الألفاظ الثقيلة والمفردات الصعبة بذكر كثير من المترادفات العربية والأردية مع ذكر ما يرادفها من ألفاظٍ إنجليزية وهندية لتسهيل الفهم وترسيخ المعنى في أذهان الطلبة و تمكينهم على الفهم التامّ. ثم يترجم الأبيات إلى اللغة الأردية الفصحىٰ ترجمةً بديعةً آسرةً للقلوب، بأسلوب سهلٍ واضحٍ، وعبارات جذابة خلابة تجذب قلوبنا وأنفُسَنا ـ
كان فضيلة الأستاذ مخلصًا جدًا لندوة العلماء وللطّلاب و جدّيا في أداء الواجبات ، ومن الأمثلة الحيّة على ذلك ما رأيناها بأم أعيننا أنه كان في أيامه الأخيرة مُدخَلاً في المستشفى بشدة المرض.حيثُ نصحَهُ الطّبيبُ بالراحةِ وتجنُّبِ الحركةِ الكثيرةِ، ولكن رغم ذلك كان يأتي إلى المدرسة كل يوم صباحًا، وذهب إلى الفصول متوكأ على أكتاف الطلاب. ويلقي الدروس، ثم بعد انتهاء الحصص يرجع إلى المستشفٰى وقداستمرت هذه السلسلة إلى أيام كثيرةـ
وفي يوم وفاتهٖ أيضاً ألقى درسَهُ حتى الحصةِ الثالثةِ، ثم دخل غرفته ليستريح ، وعندما أرادَ أن يُواصلَ التدريسَ في الحصةِ القادمة، طلب من تلميذهِ الخاصِ أن يساعدَهُ على الذّهابِ إلى الفصول ، ولكن التلميذَ قال: ”يا سيدي ! صحتُكَ ليست على ما يُرام، أنت في حاجة إلى الراحة“، فأجابه الأستاذُ بجملةٍ تُبرِزُ إخلاصَهُ وشغَفَهُ وحبَّهُ لطلابهِ وتدريسهِ، قائلاً: ”لو لم أحضر الدرس ،وأنا في ندوة العلماء، لكان ذلك ظلماً عظيماً على
الطلاب؛“. الله أكبر
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ
إِذَاجَمَعَتْنَايَاجَرِيرالمَجَام
حينما خرجتُ من الدرس متوجّهاً إلى الغرفة ظُهراً، وصلني نبأ وفاة أستاذنا الكريم. لكن كان الأمر مشتبها على الطلاب و كان الجو محشوّاً بالشك والتساؤل، فبعض الطلبة كانوا يؤكّدون الخبر،و بعضهم ينكرونه . وكنت أتمنّٰى بطيات قلبي وأغوار خاطري أن يّكون هٰذا الخبر كذباً ،و لكن الأخبار التي وصلتني بصورة مستمرة متواصلة جعلتني مضطرًا لقبول الحقيقة. وجرىٰ علىٰ لساني هذا الدعاء ” إنا لله و إنا اليه راجعون ـ
أُدّيَتْ صَلَاةُ الجَنَازَة أولاً فِي دار العلوم التابعة لندوة العلماء ، ثُمَّ فِي وطنه ” أورنك آباد “ ، ثم تمّ تدفينه. و هُنَاكَ انتهت رِحْلَتُهُ فِي الدنيا، وبدأتْ حَيَاتُهُ الباقية في جوار ربّه ـ
نام فضيلة الأستاذ قرير العين ومرتاح البال،لكنَّهُ خلَّفَ وراءهُ ذِكرياتٍ لا تُنسى ، و حزنا لا يُوصَف ، كما ترك ميراثًا خالدًا من العلمِ والفكر ـ
خَلَّفتَ في الدُنيا بَياناً خالِداً
وَتَرَكتَ أَجيالاً مِنَ الأَبناءِ
وَغَداً سَيَذكُرُكَ الزَمانُ وَلَم يَزَل
لِلدَهرِ إِنصافٌ وَحُسنُ جَزاءِ
نسْأَل اللهَ أَنْ يجْزيه عنْ العلم وَالتربية أحسن الجزاءِ، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يرفع درجاته في عليين، وأن يمنح أهله وطلابه ومحبيه الصبر والسلوان، آمين
محمد حميداللّٰه

Woo mashallah bahut umda likhe hai bahi 💞💞💞
ReplyDeleteأللهم اغفر لأستاذي الدكتور نذير أحمد الندوي
ReplyDeleteما شاء الله احسنت ما كتبت.
ReplyDeleteMashallah very good
ReplyDeleteماشاء الله احسنت ما كتبت.
ReplyDeleteاللهم اغفر لا ستاذي. واصقل مواهب الأخ
ReplyDelete